ابن ميثم البحراني

217

شرح نهج البلاغة

تعالى اتّصال نجم بنجم أو حركته علامة على كون كاين أو فساده وذلك ممّا لا يبطل على منجّم قاعدة . فيرجعون أيضا إلى بيان عدم إحاطته بأسباب كون ما أخبر عنه . ومناقشته في ذلك . وأمّا الحكماء فاعلم أنّه قد ثبت في أصولهم أنّ كلّ كائن فاسد في هذا العالم فلا بدّ له من أسباب أربعة : فاعليّ ، ومادّيّ ، وصوريّ ، وغائيّ : أمّا السبب الفاعليّ القريب فالحركات السماوية والَّذي هو أسبق منها فالمحرّك لها إلى أن ينتهى إلى الجود الإلهيّ المعطى لكلّ قابل ما يستحقّه ، وأمّا سببه الماديّ فهو القابل لصورته وتنتهي القوابل إلى القابل الأوّل وهو مادّة العناصر المشتركة بينها ، وأمّا الصوريّ فصورته الَّتي يقبلها مادّته ، وأمّا الغائيّ فهي الَّتي لأجلها وجد . أمّا الحركات السماويّة فإنّ من الكاينات ما يحتاج في كونه إلى دورة واحدة للفلك ، ومنها ما يحتاج إلى جملة من أدواره واتّصالاته . وأمّا القوابل للكائنات فقد تقرّر عندهم أيضا أنّ قبولها لكلّ كاين معيّن مشروط باستعداد معيّن له وذلك الاستعداد يكون بحصول صورة سابقة عليه وهكذا قبل كلّ صورة صورة معدّة لحصول الصورة بعدها وكلّ صورة منها أيضا تستند إلى الاتّصالات والحركات الفلكيّة ، ولكلّ استعداد معيّن زمان معيّن وحركة معيّنة واتّصال معيّن يخصّه لا يفي بدركها القوّة البشريّة . إذا عرفت ذلك فنقول : الأحكام النجوميّة إمّا أن تكون جزئيّة وإمّا كلَّيّة . أمّا الجزئيّة فأن يحكم مثلا بأنّ هذا الإنسان يكون من حاله كذا وكذا ، وظاهر أنّ مثل هذا الحكم لا سبيل إلى معرفته إذ العلم به إنّما هو من جهة أسبابه أمّا الفاعليّة فأن يعلم أنّ الدورة المعيّنة والاتّصال المعيّن سبب لملك هذا الرجل البلد المعيّن مثلا وأنّه لا سبب فاعليّ لذلك إلَّا هو ، والأوّل باطل لجواز أن يكون السبب غير ذلك الاتّصال أو هو مع غيره . أقصى ما في الباب أن يقال : إنّما كانت هذه الدورة وهذه الاتّصال سببا لهذا الكاين لأنّها كانت سببا لمثله في الوقت الفلانيّ لكن هذا أيضا باطل لأنّ كونها سببا للكائن السابق لا يجب أن يكون لكونها مطلق دورة واتّصال بل لعلَّه أن يكون لخصوصيّة كونه تلك المعيّنة الَّتي لا تعود بعينها فيما بعد ، وحينئذ لا يمكن الاستدلال بحصولها على كون هذا الكاين لأنّ المؤثرات المختلفة لا يجب تشابه آثارها ، والثاني